"بوليكيني برونو, دي كامبوس أروخو مانويل و روسّي ماورو! ً إلى المدير فورا!".
البوابة جانيت كانت تمتلك وجهاً يعكس اللحظة لأنها كانت تشتغل لوحدها في ذلك اليوم. كنّا قد أُستدعينا من قبل البندول-الجميل لأنه كان يريد أن يكلمنا.
البروفيسورة "ليتل بيرديتا" حملقت عينيها و حيتنا قائلة:" حظّاً سعيداً يا أولاد!". و أرفقت التحية بالضحكة المألوفة, كمن تريد أن تقول: "يا ويلكم!". بالنسبة لها كان يلائمها حتى اجتماع عنيف مع ذوينا من طراز "واحد- ضد- الجميع", بدلاً من تلك الدقائق الخمس مع البندول- الجميل.
أنا و ستيتّكس دخلنا في المقدمة إلى جحر المدير الذي كان ينتظرنا و هو يبلل شفته التي تشبه البندول. آخر من دخل كان بلاك دانتي, الملقّب ب"بي دي", الناطق الرسمي بإسمنا. التناقض بين البشرة السمراء و لهجة القساوسة, كان يعطي تأثيره دائماً.
"إذن يا أولاد! تفضلّوا! حسناً, قولوا لي, ما الغرض من ... لائحة الأسئلة هذه؟ ما الغرض من هذا الإستفتاء الإجتماعي؟".
كنا قد قدّمنا لائحة أسئلة إختبارية و الآن كانت لحظة القرار الكبير من طرف البندول.
"سيدي المدير, نحن الطلاب الأجانب, أولاد المغتربين و الأزواج المختلطين نشكّل واقعاً جديداً في مدرستنا, كما في بلدنا أيضاً. إذن فكّرنا في أن نوزّع لائحة الأسئلة هذه لنقيّم, إستناداً إلى الإجابات ... ".
"تقيّموا؟".
الشفّة-البندول التي كان قد لُعقها لتوّه بدأت تتأرجح مشحونة بتلك السخرية التي يتصّف بها المسنّين عندما تلفظ أمامهم كلمة لا يستسيغونها. " هل قلتم تقييم؟".
"حتماً, تقييم. تقييم آراء, التعبير عن أفكار للمستقبل, المقارنة بين أنماط من الحياة, وجهات نظر حول الإندماج الإجتماعي, العلاقات مع رفاق المدرسة و مع المدرسين, كيف تعيش هذه الظروف كطالب أجنبي, الصداقات, الأحكام المسبقة, التمييز العنصري ...".
"أي أن تذهبوا و تسألوا الأجانب فيما إذا كانوا يعانون من التمييز العنصري؟ بكلمات أخرى, فيما إذا كنا نحن عنصريين, أليس كذلك؟ أنتم تنوون التحقيق حول ما يسمى بالعنصرية, أليس هذا صحيحاً؟".
"أيضاً. و لما لا إذا كانت هذه النزعة موجودة حقاً, يا سيدي المدير؟"
"ولكن هم طلبوا منكم ذلك؟ هل طلب رفاكم من الأجانب أن تقوموا بمثل هذا الإستفتاء؟ هل إنطلقت منهم هذه المبادرة؟"
"سيدي المدير, إنها مبادرتنا كلياً!"
"كلياً؟ أي أنتم الثلاثة؟" حدّق فينا بإرتياح. " إذن يا أولادي لا أفهم لماذا تبغون النخس".
"النخس؟"
بي دي بدأ يسخر, مكرراً الكلمة.
"نعم, النخس, التحريض, البحث بين الجمر المتقّد. إذا كانوا هم قانعين من وضعهم, إذا كانوا يشعرون بالراحة, سعداء و مطمئنين. في النتيجة, إذا كان أجانبنا هؤلاء هادئين, ما الحاجة في أن نذهب إليهم و ....".
"ننخسهم"
"بالضبط! هؤلاء الأولاد يقبعون هناك و لا يشتكون, لا يصاحبون الآخرين أو يزعجون أحداً. نادراً ما يخرجون من الحصّة, و إذا ما خرجوا, يذهبون إلى المرحاض فقط, و أحياناً لا يخرجون أبداً, هادئين, مطمئنين و مسالمين. قولوا لي الآن, ما الغاية من أن تذهبوا و تنخسوهم بأسئلة مثل:" هل أنتم راضين من وضعكم أم لا؟"."هل الآخرين عنصريين تجاهكم أم لا؟". لا أعرف ماذا أقول لكم؟".
"ماذا تقترحون أنتم, يا سيادة المدير؟".
"يا أولادي, لماذا يجب علينا أن ننزل الفأس على أقدامنا؟ هل طلب منّا أحد بأن نجري مثل هذا البحث؟ أن نحقق؟ أن نكون حشريين؟ كلا!".
"نعم, ولكن, هذه هي النقطة يا سيدي المدير".
"أصغوا إلي! أنتم لا زلتم أولاداً و يجب أن تلهو. هل تريدين اللهو؟ حسناً, مديركم سيفكر كيف ستروّحون عن أنفسكم. هنالك مشروع إختلاء روحاني لمدة يومين في الريڤييرا. هل توافقون؟ أنتم الثلاثة؟ "فريقكم الإجتماعي"؟ كل المصاريف مدفوعة, مرخصة بما في ذلك الرصيد التأهيلي! و لندع جانباً الأجانب المتواجدين في مدرستنا".
ستيتّكس كان بصدد القبول. تدخّلت في اللحظة المناسبة.
"شكراً, يا سيدي المدير! ولكن نود أن نلفت إنتباهكم بأنه إذا كان رفاقنا لا يتكلمون مع أحد و لا يعاشرون أحد, يجب أن يكون هنالك سبباً ما. أنظروا, هذا لا يبدو طبيعياً بالنسبة لنا نحن الأولاد ...".
"نعم, نعم, فهمت. ولكن أتعرفون ما هو هذا الشيء؟ أتعرفون ماذا يسمونه؟".
"أي شيء يا سيدي؟".
"هذا يسمى عنصرية معكوسة! ذلك الذين تريدون أن تختلقوه بهذا الإستفتاء هو بالضبط عنصرية معكوسة!".
"عنصرية معكوسة؟".
"أحسنتم! إذن, هل توافقون على هذا الإختلاء الروحي في الريڤييرا؟ كل المصاريف مدفوعة, بما في ذلك الرصيد التأهيلي".
تحفظنا على إعطائه جواباً قاطعاً. "سنلتقي قريباً", ودّعناه و إختلينا في المرحاض, مع كتلة من أفكار بحاجة لأن تقسّم إلى ثلاثة أجزاء
"سٍتيتكس, أيها الحقير, أنت كنت بصدد الإستسلام!".
"ولكن ألا نستطيع أن نوزّع لائحة الأسئلة و فيما بعد نذهب أيضاً للإختلاء قليلاً في الريڤييرا؟".
"كلا, هذا يسمّى إنحلال أخلاقي!".
"هذا ما يسمّى بأنه لم يبق أي شيء نفعله, هذا ما يسمّى!".
تأزّم الوضع فيما بيننا و بين بي دي, الذي تحول لونه من الأسود الأبنوسي إلى الرمادي الضبابي لبوتشيا. قرع جرس الحصة الثانية و فجأة خرج الكل من القاعات. غضب البندول- الجميل. حدثت القيامة. الجميع إستلقوا على الأرض, على رخام الممرات المليئة بالعلكة الممضوغة و المبصوقة, ذكوراً و أناثاً, سجادة من المنحوسين الممتزجين بالمنحوسات, كان هنالك حتى بالمو(النخلة), الزنديق.
" ماذا يحدث, يا شباب؟".
"إنبطح, سفيكاتس! إنبطح!".إنبطحت أنا أيضاً, كنت لا أستطيع حتى أن أمشي. المعلمين كانوا قد إنحصروا في القاعات و لكي يخرجوا كان عليهم أن يمشوا فوق أجسادنا.
" هل تريد واحدة؟". ستيتّكس قدّم لي علكة.
"ولكن ماذا يحدث؟ ماذا نحن فاعلون؟ لماذا نحن منبطحون على الأرض؟".
"نحن نحتج. إحتجاج ضد الحرب! الآخرون تداولوا الموضوع عندما كنا لدى البندول-الجميل".
بعد نهاية الإحتجاج, البندول- الجميل مرّ على القاعات و هو يهدّد :"سأتّخذ إجراءات صارمة". الدوام كان قد إنتهى لذلك اليوم. فيما بعد, إجتمعنا أنا, بي دي و ستيتّكس مقابل موقف الباص. بي دي كان يملك خطة.
"أصغوا إلي! البندول الجميل أصابه الرعب من عملية الإحتجاج و هو بصدد ردّ فعل عنيف. أقترح بأن نترك لبرهة فكرة الإستفتاء لكي يطمئن. ولكن سننظم حفلة".
"فكرة سخيفة!".
"سننظّم حفلة متعددة الثقافات مع قصص للمهاجرين, أغانٍٍ, رقصات و مطبخ متنوع! بهذه الطريقة نرفض تسوية الإختلاء الروحي في الريڤييرا, لا نستفز البندول-الجميل و في نفس الوقت نتكلم عن العنصرية".
"كيف لا. مهادنة فاضحة مع الكبار!".
"بالعكس, هذه الفكرة تعجبني! فلنقم هذه الحفلة! ولندعو أيضا آبائنا و أمهاتنا. بإمكاننا أيضاً أن نجري مقابلات معهم! ماذا كانوا يفعلون قبل أن يهاجروا, لماذا أتوا إلى هنا, المصاعب التي اعترضوها, الإقامة, أول عمل مارسوه. أبي مثلاً, كان محاسباً".
الآن, يشتغل خادماً هنا.
"وعجوزتك, سفيكاتس؟".
قفزت إلى الباص و أنا مشتت الأفكار. دراجتي النارية كانت قد سرقت. كلا, لا يروقني أن أتكلم في هذا الموضوع مع أمي, هي دخلت نهائياً في النفق و لن تخرج منه ثانية. تقلي أقراص اللحم, تأكل, تزداد بدانة, تبكي. فتحت النافذة لأتنفس بعض الهواء من الشارع, رائحة عوادم السيارات, ديزل. كان يوماً يحمل بصمات البندول-الجميل و بدون الدراجة النارية لم يبق له أي مغزى. و بما أنني أفكر, فلنرى ماذا كانت تعمل أمي؟ سرقوا دراجتي النارية و شركة التأمين ليست سوى ذلك الهاتف الذي يرد عليك: "شكراً-لإتصالك".
فور دخولي, أمي حدّقت بي, فهمت بأن الأمور ليست على ما يرام, و لذا عادت إلى المطبخ. على الطاولة, كان ينتظرني نفس طبق السباغيتي. تذوقته كإجراء روتيني, كالعادة كان مسلوقاً أكثر من اللزوم. منذ سنوات عديدة و هي تعيش هنا و لم تتعلم بعد كيف تطبخ المعجنّات.
"لماذا لا تأكل؟ هل تمارس الحمية؟ هل تريد أن تنحف؟ ألا تعجبك المعكرونة؟ أهي مسلوقة زيادة عن اللزوم؟ كيف هي الأمور في المدرسة؟ هل إمتحنوك؟".
كانت أمي تستطيع أن تسأل كل هذه الأسئلة دون أن تنتظر إجابة. دائماً نفس الأسئلة.
"ماما, هل تعرفين مدى العنصرية السائدة؟".
"لقد حضّرت أقراصاً من اللحم! تذوقهم!".
"نعم, أعرف ذلك, بالبصل و النعناع!".
"كيف عرفت ذلك؟".
"عرفته من الرائحة التي تفوح من مريولك".
نهضت أمي بإنزعاج, كانت عيونها قد أصبحت برّاقة..
"إذن, لا يمكننا بعد الآن حتى أن نمزح!".
أكلت السباغيتي المسلوق أكثر من العادة بصمت.
"إذن, ماذا كنت تريد أن تقول بصدد العنصرية؟".
"اليوم علّمنا المدير العنصرية المعكوسة! هل تريدين أن تعرفي كيف؟ عندما تذهبين لتجري مقابلة صحفية مع ضحية ما و تسألينه: هل كنت أبداً ضحية للعنصرية؟ هذه هي العنصرية المعكوسة".
كانت تنبعث من عجوزتي نفس رائحة البندول الجميل, ولكن رائحة المقالي كان يجعلها أكثر أمومة. و الآن حانت اللحظة لإطلاق السؤال القاتل.
"أمّاه؟ ماذا كنت تشتغلين هناك؟".
"ماذا؟ أين؟".
"ما العمل الذي كنت تمارسينه عندما كنت هناك, أي قبل أن تأتي إلى هنا؟".
"كيف خطر على بالك مثل هذا السؤال؟".
"هكذا! ألا كنت تشتكين لأنني لا أطلب منك أن تحدثيني عن نفسك؟ إذن, ما العمل الذي كنت تمارسينه قبلاً".
"إذا أخبرتك, لن تصدٌّق".
"لماذا؟ هل هو مرعب لهذه الدرجة؟".
"كلا, ولكن سوف لن تصدّق! أتراهن بأنك سوف لن تصدّق؟".
"لا تقولينه, إذا كان لا يمكن الإفصاح عنه! إصنعي لي هذا المعروف, أمّاه!".
"يمكن قوله! سوف لن تصدّق فقط! كنت أعمل دي جي!".
شيء لا يصدّق.
"ماذا كنت أقول لك؟ لن تصدّق. كنت اعمل الدي جي في محطة راديو أسمها "الكالّنكانزاري", كنا نديرها نحن, مجموعتنا الموسيقية. المحطة كان قد أسسها والد إحدى صديقاتي. و المجموعة الموسيقية كان أسمها الكالّنكانزاري. هل تعرف ماذا يعني كالّنكانزاري؟ كانوا مخلوقات ... ".
"أتركي جانباً الأنثروبيولوجيا, أمّاه, قولي لي كيف كنت تعملين الدي جي؟".
"كنت أشكّل طرفاً من ثلاثي كوميدي, خارج عن العرف و سليط اللسان. كنا نبتدع نكتاً, إسكتشات, مشاهد ساحرة, محاكاة كوميدية لأعمال جدّية, و كل شيء. كنت الزعيمة. أينما كنا نذهب, كنّا نحقق النجاح, و كان يوجد حشد من الناس. إذا كانت هنالك حفلة و لم نذهب نحن, لا يحضرها أحد! بدوننا نحن, كان المكان يبقى قاحلاً!".
"هل هي طويلة هذه القصّة؟".
"أنت الذي طلبت بأن أرويها لك!".
"تجعلينها دائماً تربوية, يا أماه! بالإضافة إلى الخاتمة!".
"أنا لا أبيعك إياها؟ هل تريد أن تصغي إلى قصّة الكالّنكانزاري أم لا؟".
"فيما بعد".
لهذا اليوم, كان يكفيني المثال التربوي للبندول-الجميل. ولكن, في الماضي عجوزتي لم تكن كذلك. كل ما تفعله الآن هو إرسال رسائل قصيرة بالموبايل و تحضير كرات اللحم. بحثت عن مغزى الكالّنكانزاري في شبكة الإنترنت.
"مخلوقات شرّيرة و متهكّمة, دائماً في حيرة ما بين الإزعاج المتعمد و الهزل, كانوا يتقمصّون أشكال آلهة قديمة قليلة الشأن و يغزون دول البحر الأبيض المتوسط, و كانوا قد قرروا بأن لا يختفوا أبداً".
"أتركك بخير يا أمّاه, أنا ذاهب".
"إلى أين أنت ذاهب؟".
"أنا ذاهب لأدرس لدى بي دي. يجب أن ننهي موضوع التاريخ".
بي دي و ستيتّكس كانا ينتظرانني و هما يمضغان تلك العلكة اللعينة. أطلقت الخبر.
"أمي كانت تعمل دي جي!".
ستيتّكس إنبهر, بينما بي دي علّق قائلاً:
"دي جي من حقبة ما قبل التاريخ! الديوكس ماكينة الحفلة! تصوّروا فيما إذا أمنّا دزينة من أسطوانات الستينات و السبعينات, و هي قامت بدور مقدمة الحفلة. النجاح سيكون مضموناً!".
"هذا لا يمكن, عجوزتي بدينة!".
"أجبرها على الريجيم!".
"تدور في البيت طوال النهار بمريول قذر".
"أطلب منها أن تغتسل ثم أرسلها إلى صالون للتجميل!".
"هنا الأمر لا يتطلب صالوناً للتجميل, بل رافعة. ثدييها يصلان حتى الركبتين! عجوزتي ليست في مظهر لائق ".
"فلنجرّب عند ريكاما الذي تملكه إيمي!", إقترح ستيتّكس.
"ماذا تعني؟".
"أعني بأن نشتري هدية لأمك من عند إيمي ", تابع ستيتّكس
إيمي هي خطيبة ستيتّكس السابقة و تعمل بائعة لدى إحدى المحلات التي تبيع ألبسة داخلية مثيرة حيث تأخذ إلهاماتها من القدماء. ستيتّكس يشبه شجرة الجوجّولو. إيمي حاولت أن تقنعني. "يا صغيري, أناباسيس ليس حامل ثديين, إنما قمة التكنولوجيا في الألبسة الداخلية! أنظر! إنه مبطّن بالكريستال السائل, و مكان الثديين يمكن التحكم بهما و هو مزود بمقياس يدوي لموازنة الضغط الداخلي و الخارجي!".
"و ماذا يمكن أن تفعل به أمي؟ غطّاسة؟".
هنا, تدخل بي دي.
"تلبسه, تخلع المريول, ترتدي ثيابها, تتعطّر ثم تتحرك!".
"دعكم من هذه الأمور!".
"يلزمنا دي جي لحفلتنا المتعددة الثقافات. هي مناسبة تماماً! تملك الخبرة! يجب أن تساعدنا!".
"تساعد من؟ تساعدكم أنتم؟".
"تساعدك أنت,ألست إبنها!".
"وماذا يجب أن تفعل؟".
"تفعل ما تعرفه!".
"أقراص اللحم!".
"تفعل الدي جي! تختار الأسطوانات! تقدّم أغاني حقبتها, ولكن بشرط أن تكون ممزوجة! ستيتّكس سيمزجها لك! ستقدّمها كما آنذاك! الناس سيفقدون عقولهم! قرع الطبول!:
"أوه!".
"ولكن ماذا تقول؟ أي ناس؟".
"ستكون حفلة متعددة الثقافات أم لا؟ سندعو أبائنا و أمهاتنا إلى المدرسة, وهم سيحكون لنا ماذا كانوا يفعلون هنالك, في الوطن. و سيتبع ذلك أغانٍ, رقصات و مطبخ متعدد الأعراق ...".
"و أمي ستقدّم نفسها وهي ترتدي هذا الابتداع؟ إذهبوا إلى الجحيم!". كنت قد غضبت حقاً. رجعت إلى البيت مشياً على الأقدام. بي دي بعث لي برسالة:"خلال 2س 8 ث في بيتك". وأنا أجبت: " و 1/2. لدي دريللو".
إذا لم أزعج دريللو, ربما سأتمكن من الإفلات باكراً. قبل أن أنزل إلى الكاراج, إرتديت ذلك البنطال القديم الذي يعجبهم كثيرا. منذ ثلاث سنوات وأنا أرتديه لأقدّم به نفسي و من ثم أخلعه. لم ينتبه لذلك أبداً.
في الكاراج, الذي يصرّ على تسميته "تاڤرنا", دريللو كان قد وضع الأثاث القديم المصنوع من الخشب المضغوط الذي ورثه من ذويه. نأكل جميعاً هنا, في التاڤرنا, و بعد ذلك, هو يغفو فوق أريكة جدي المترنحة. عملياً هو يعيش هنا, محاطاً بنمل طفولته.
"مرحباً يا أبي!".
دريللو كان يستعد للسبات أمام التلفزيون. لا ينتبه بأننا موجودين ولكنه كان قد فرض علينا بان نأكل جميعاً معاً, في نفس الساعة. المبدأ أولاً. وصلنا إلى الخبر الثاني من النشرة الإخبارية. هو يتابع ثلاثة أو أربعة نشرات إخبارية في الليلة لكي يبقى ملمّاً بالأحداث. عجوزتي تودّ أن تتحدث, و كالعادة, تثير أعصابي.
"كيف مضت الأمور لدى بي دي(!)؟ هل درستم؟".
"لم ننته بعد. يجب أن نتابع الموضوع بعد العشاء أيضاً. هل تريدين أن أساعدك في غسل الأطباق؟".
"كلا, لا داعي لأن تتعب نفسك! ما هو الموضوع؟".
"تاريخ, أماه! سبق و قلته لك! "صف شخصية في حياتك اليومية تشابه شخصية تاريخية". إذن, بإمكاني أن أذهب؟.
"إلى أين؟ دائماً لدى بي بي(!)؟".
"نعم, يا أمّاه! الموضوع لم يكتمل و يجب أن نسلّمه صباح يوم غد. و هو لا يدعى بي بي! يدعى بي دي! الأحرف الأولى من بلاك دانتي! بي دي!".
كانت خطتي قد نجحت تقريباً. إقتربنا من تبادل التحيات. كلا, دريللو لا زال في السبات, ولكنه كان قد فتح ببطء إحدى عينيه. "إلى أين أنت ذاهب؟".
كان يجب التعامل معه بحذر عندما يكون بصدد الإغفاء, لأنه يمكن أن يفتح عيناً ثم يغلقها دون أن تشعر, أو يمكن أن يأكلك حيّاً بلقمة واحدة. عجوزتي تتولى الإجابة.
"إذهب و أدرس".
"أين؟".
"لدى صديقك! ذلك الذي يدعى بيب .., آه, بلاك دي, آه بلاك دانتي!".
"بلاك ماذا؟ و من هو؟".
"ألا تذكر؟ صديقه. رفيقه في الصف, الشاب الملون الذي يرتاده".
"و لماذا يرتاد شاباً ملوناً؟ هل إنقرض الشبان البيض؟".
هذا هو مزاح أبي, دريللو, المختصر من كوكّودريللو (التمساح). ولكنني بمأمن. ستيتّكس و بي دي ينتظرانني خارجاً, في السيارة المكشوفة العائدة لشقيقة ستيتّكس.
"يا شباب, دعوا عجوزتي خارج هذه اللعبة! لا تعتمدوا عليها!".
"إصعد!".
"ماذا حدث؟ إلى أين نحن ذاهبون؟".
إنطلق ستيتّكس بسرعة. بي دي بدأ يشرح خطّته.
"إذن, إصغي إلي جيداً. الفكرة خطرت في بالي عندما كنت ترفض أن تخبرنا ما العمل الذي كانت تمارسه أمك".
"قل لي أين تريد أن تصل لأنني ....."
"إلى العاهرات! أبي هو راعي هذه الفكرة!".
"إنتظر! إنتظر! أنتم تلمحّون لشيء ما؟".
"هدئ أعصابك! ألم تقل بأن أمك لا تريد أن تشارك في الحفلة؟ حسناً, الفكرة البديلة هي العثور على عاهرة لكي تحلّ بدلاً عن أمّك! نختار واحدة مناسبة, نشرح لها كل شيء, ندفع لها و نطلب منها أن تحضر إلى الحفلة و كأنها أمك! ألم تقل بأن عجوزتك دخلت النفق؟ و أنها في قمة الإنهيار العصبي؟".
"يا للزناد يق! و لماذا تريدون العثور على عاهرة لتحلّ مكان أمي؟".
"لأننا لا نملك القدرة لكي نختار مجازة من معهد التمثيل! و لأن أماً مهاجرة كانت تمارس الدي جي هو أمر إستثنائي!".
"عجوزتي كانت تمارس عمل الدي جي و لم تكن عاهرة!".
نحن بصدد الوصول إلى الحاجز الطرقي و نسمة خفيفة تهب في الأرجاء. ستيتّكس إنفعل فجأة.
"ها هنّ! ها هنّ!".
بي دي حذرنا قائلاً:
"فلنتجنّب الداكناتً و الشقراوات كثيراً!".
"أنا لا أوفر أحداً! أنظر إلى تلك!".
"أصغوا إلي! سنتجنّب الداكنات و الشقراوات كثيراً!".
"هل هذه عنصرية معكوسة أم عنصرية كلاسيكية؟".
"الأمر جمالي فقط. أمك تملك بشرة كستنائية, مثلك تقريباً".
"و هذه؟ كيف تبدو لكم هذه؟ و هي قصيرة بعض الشيء, كما تريدها أنت, بي دي!".
"كلا! هي كئيبة بعض الشيء و مثيرة للشفقة!".
"يا شباب, انظروا إلى تلك! ما رأيكم بتلك السمراء؟".
"هذه لعوب جداً, لا تصلح لنا!".
السمراء تقترب من السيارة المكشوفة و تعرض تسهيلاتها.
"مرحباً يا شباب! هل تروقكم التنزيلات؟ للطلاب فقط!".
بي دي يقدمنا إليها.
"إسمي إيمانويل. أقدّم لك أصدقائي, برونو و ماورو. سندفع لك أجراً جيداً, ولكن قبل ذلك يجب أن نتكلم!".
قاطعنا بحدّة رجل محترم.
"شباب, بدون مداعبات أولية! الوقت من ذهب! هل تعرفون إلى أي مستوى وصل سعر البترول؟ يوم أمس, في لندن, البرنت تجاوز حدّ ال 70 دولاراً! للبرميل الواحد! يجب أن تسرعوا و أن تختصروا الكلام! البنات مزودات بأجهزة لقياس الزمن!".
"ندفع التسعيرة مضاعفة, ولكن يجب أن تشتغلي معنا بعد الظهر".
"آسفة, يجب أن تتكلموا مع مدير الصندوق بخصوص ساعات الظهيرة!".
"حسناً, نحن آسفين! ربما مرة أخرى!".
"ألا تريدون أن تتكلموا مع مدير الصندوق؟".
"ربما مرة أخرى, إلى اللقاء, أعذرينا!".
السمراء و الرجل المحترم يبتعدان و هما يرددان. "مزعجين!".
"ولكن لماذا رفضناها؟".
"يجب أن نجد عاهرة محترفة ومستقلة, عاهرة تشتغل لحسابها الخاص و تتخذ قرارات مستقلة. لا نستطيع أن نبقى هنا و نشرح مشروعنا إلى كل محترفي الإبتزاز في المنطقة!".
منطقة العاهرات بقيت في الخلف. ولجنا طريقاً ضيقاً بلا منفذ. ستيتّكس فقد صبره و أطفأ محرك السيارة.
"يكفي يا شباب! أنا لا أوافق! فكرة هذه الحفلة سخيفة. حفلة لا تناسبني! في البداية السيارة المكشوفة, و بعد ذلك حامل الثديين و الآن إستئجار عاهرة مناسبة! يكفي! ألم يكن من الأفضل الريڤييرا؟".
حشرجة. حشرجة إنسان تتناهى من السفح, ربما من نفق المشاة.
"صه, إصمتوا!".
"ماذا حدث؟".
"إصمتوا! هنالك أحد ما!".
الحشرجة عاودت مرة أخرى, تطلب النجدة. ستيتّكس أراد أن يذهب ولكن بي دي كان جاهزاً لخطة التدخّل.
"ستيتّكس, إبقى على المقود و أهبط رويداً رويداً بالسيارة نحو الجسر. بعد ذلك أطفئ المحرك و كن جاهزاً لكي تنطلق حالما ترانا. أنا و سفيكاتس سننزل للأسفل. إذا سمعتنا نستغيث, أطلب النجدة بالموبايل! فلنذهب!".
عندما أصبحنا خارج السيارة, لم يعد يسمع شيئاً, ولكن الحشرجة كانت لا تزال تأتي من نفق المشاة, كنت متأكداً من ذلك. أنا و بي دي ولجنا النفق. هنا كانت تنتظرنا رائحة براز خانقة, كثيفة كالظلام. أكواماً من النفايات الإنسانية, قيء و حقن في كل مكان. أنا و بلاكي أمسكنا بيدي بعضنا البعض, كتلميذي مدرسة أثناء النزهة.
"سفيكاتس, أنا خائف".
تركت يد بي دي و جرجرته من الكتفين. قبضة رجل. في داخل هذا النفق المظلم, الخانق و القذر, حيث كل المدينة تلقي فيه ما تخجل أن تلقيه في علب القمامة الرسمية, أنا, سفيكاتس الشجاع, ذاك الذي لا يخاف أبداً, بدأت أشعر بخوف شنيع ولم أعد أملك الجرأة للإفصاح عنه.
"آه, آه!".
الصوت بدأ يسمع الآن بوضوح. كان يأتي من منتصف النفق.
"أنظر! إنه قادم من تلك الكومة هناك!".
لا أريد أن أصل لغاية تلك الكومة, لا أريد أن أرى من يوجد هناك مرمرياً في الكومة و هو يتوجّع. إذا بدأنا نركض سرعان ما سنجد أنفسنا في الجهة الأخرى. لا يهم فيما إذا كان أكثر بعداً, يكفي أن نخرج و أن لا نعود ثانية. أن نخرج فقط. بي دي كان يركض معي. الأرض زلقة. البول و البراز السائل يكتمون النفس.
"إنه هنا!أنظر! إنه يتحرك!".
"آه!آه! النجدة!".
كومة النفايات بدأت تتحرك. جثونا على ركبتينا بجانب الرمال المتحركة.
"النجدة!".
بي دي أمسك بالجسد الواهن من تحت الإبطين و أنا من القدمين, أو بالأحرى من الركبتين. نحن بصدد العودة إلى السيارة. ركبتي الجسد الواهن باردتين و تتملصان من يدي. أمسكت بهما بقوة.
"آه!آه! أنا أموت!".
قي مخرج نفق المشاة صدمتنا رياح الطريق الدائرية الكبيرة. كنا تقريباً قد تعودنا على القاذورات. ستيتّكس كان ينتظرنا بتأهب في السيارة والمحرك جاهز للإنطلاق. ولكن بعد أن حدّق بنا جيداً, نزل من السيارة و أتى نحونا.
"ساعدنا! هيّا, ستيتّكس! إفتح الصندوق! إنه يتملّص من أيدينا!".
"هل فقدتكم عقولكم! لا أريد هذا الشيء في السيارة! لن أضع هذا الشيء في السيارة".
لم نعر إنتباهاً لكلام ستيتّكس ووضعنا الجسد الواهن على الكراسي الخلفية. بي دي جلس بجواره, بينما أنا جلست في المقدمة.
"هيّا, إنطلق! ماذا تنتظر؟".
ستيتّكس لم ينطلق و توقف عن الكلام من الرعب. بعد ذلك, فتح النافذة, إستنشق الهواء النظيف ثم إنطلق.
"آه!آه!".
ولكن الغمّ بقي على حاله.
"إلى أين نحن ذاهبون؟ أريد أن أعرف إلى أين نحن ذاهبون! قولوا لي فوراً إلى أين نحن ذاهبون!".
بي دي كان قد رسم الخطّة. إتجهنا نحو المستشفى. الجسد الواهن لا يزال يتنفس.
"هل هو رجل أم إمرأة؟".
"و كيف لي أن أعرف؟ إنه خرقة بالية! إتجه إلى اليمين!".
"من أنت؟ ما أسمك؟".
الجسد الواهن لا يجيب. ستيتّكس يقود السيارة بصمت في الشوارع الفارغة. وصلنا إلى شارع المستشفى الذي يشكّل فاصلاً بين الحي الذي أقطن فيه و حي ستيتّكس. كنا قد وصلنا تقريباً إلى قسم الإسعاف.
"و ماذا نقول للممرضين؟".
"لا شيء. نتركه فقط".
الجسد الواهن بدأ في الصراخ. الخوف من المستشفى بدأ يعيد الحياة إليه.
"آه! كلا! من فضلكم لا داعي للمستشفى!".
نحن نقترب من الفسحة أمام قسم الإسعاف. ستيتّكس أبطأ السرعة. أحد العاملين في قسم قبول المرضى تبعنا بنظراته جاهز للتدخل.
"لا داعي للمستشفى, من فضلكم!".
"إذهب ستيتّكس! لا تقف! إذهب! إنطلق! فلنذهب من هنا!".
تحركنا ببطء, ستيتّكس تصنّع بإيقاف السيارة في مكان آخر.ثم إبتعدنا بسرعة. هيّا! هيّا! عندما وصلنا إلى موقف سيارات ماك ديللون, ستيتّكس توقف.
"شباب, الآن يكفي! أريد أن أعرف ماذا نفعل, و إلى أين نذهب. أين سنتركه؟ لا يهمّني فيما إذا كان رجلاً أم إمرأة, ميتاً أم حيّاً. بدأت أتضايق من مبادراتكم! إذا لم تقولوا لي ماذا نفعل, سأترككم جميعاً هنا و سأذهب!".
"إهدأ, إننا نفكّر!".
الجسد الواهن لا زال يتلوّع. "آه! آه!".
"آه, إلى الجحيم!".
قررنا أن نأخذه لبيتنا, منزل بي دي مؤلف من غرفة و مطبخ, أو بالأحرى من مطبخ داخل غرفة و يعيش داخله أربعة أشخاص, بي دي, الأب, الأم و شقيقته الصغيرة التي تشتغل خادمة بالساعات.
أخذنا الجسد الواهن إلى منزلي, إلى الڤيللا ذات الطابع المتناسق مع الأخريات. أنا أملك غرفة في الطابق العلوي بسقف مائل مزودة بحمام مع مشاهد نحو المارانا, غرفة كلها لي. أنا نزلت في البداية و وضعت كل شيء تحت المراقبة, بينما ستيتّكس كان قد إقترب بدون أضواء. دخلت إلى المنزل و أنا أحاول أن لا أحدث أي ضجيج. التلفزيون كان لا زال مشتعلاً في التاڤرنا, و هذا كان يعني بأن دريللو ينام مطمئناً. ولكن عجوزتي كانت لا تزال مستيقظة.
"هل وصلت؟ لماذا تأخرت؟".
"الموضوع كان شاقّاً, أماه!".
بعثت الإشارة بالمصباح اليدوي و فتحت الباب الرئيسي. بي دي و ستيتّكس جلبوا الجسد الواهن إلى الداخل و عبروا الصالون المظلم. في بداية الدرج تحول جسده إلى كتلة من الرصاص. في ذلك الممر القذر كان يزن عشرة كيلوغرامات أقل مما هو عليه الآن.
"هنا! في غرفتي! ضعوه هنا!".
الجسد الواهن تابع تلوّعه بينما بي دي و ستيتّكس يضعونه على سريري.
"شباب, ألم نرتكب حماقة؟".
" ماذا؟ أتقول هذا لي؟ السيارة لا زالت مليئة بالقاذورات!".
"إذا إنتبه دريللو, سيلقي بي في المارانا!".
"شباب, حسب رأي أعتقد بأننا وجدنا ڤيادوس! على أي حال, إذا كان سيشكّل لكم كل هذه المشاكل, فلننقله إلى بيتي, لأنه متسع بما فيه الكفاية! ".
"شكراً ستيتّكس, أنت أخ! ولكن يجب أن لا ندع الخوف يأسرنا! كل شيء سيكون على ما يرام! غداً سنرى ماذا يمكننا فعله. سيبقى هنا بشكل مؤقت, لهذه الليلة فقط! كل واحد منّا سيقوم بدوره حسب إستطاعته! سفيكاتس, أنت حاول تعتني به لهذه الليلة. أو بالأحرى, أرني الأدوية التي تملكونها في البيت!".
"إليك بهم! هل هذا مناسب. إنه ساري المفعول أيضاً".
"ولكنه المضاد الذي يستعمله دريللو ضد الحساسية!".
"هذا سيجعله ينام مثل قطعة من الحجر. سنذهب الآن, ولكن خطة العمل ليوم غد ستكون جاهزة. سفيكاتس, أنت عظيم! كان عليك أن تراه و هو يلقي بنفسه داخل ذلك النفق. أنا كنت أريد أن أتراجع, إنما هو ذهب قدماً. نخزني ثم بدأنا نركض داخل ذلك الظلام النتن! ستيتّكس, كان يجب أن تراه! إلى اللقاء, أنت جبار و شجاع!".
"إلى اللقاء".
ستيتّكس و بي دي خرجا من البيت تحت جنح الظلام. الجسد الواهن توقف عن الشكوى, ولكنه بدأ يتنفس بسرعة, ربما مصاب بالحمّى.
"ماء!".
طلب الماء, ذهبت إلى الحمام و جلبته له. نادتني عجوزتي, لا يفوتها أي شيء. خرجت من الردهة و أغلقت الباب ورائي. هي كانت تقف أمام الباب.
"جلبت إلى البيت فتاتاً, أليس كذلك؟ هل تعرف كيف يجب أن تتصرف؟".
"ماذا؟".
"هل إتخذت إحتياطاتك؟".
"ماذا تقولين يا أماه؟ أية إحتياطات؟".
"هل تحبون بعضكم البعض؟ سمعت كل شيء. أنت جلبت فتاتاً إلى هنا. أنا أفهمك, لأنني أمك. أنا كذلك مررت بتلك الفترة. حاول على الأقل أن يكون سلوكك جيداً. هل أعرفها؟ هل تعرف عائلتها؟".
بينما كنت أفكر كيف أجيب, الجسد الواهن عاود شكواه.
"آه! آه!".
"ماذا فعلت لها؟ لماذا تشتكي؟".
إنتاب عجوزتي الرعب, دون أن تنتظر جواباً, ألقت بنفسها على الباب و فتحته بالقوة, ثم إقتحمت الغرفة و أضاءت النور. الجسد الواهن كان قد تقيّأ في كل مكان و سقط على الأرض, فوق القيء الطازج بالضبط.
"يا إلهي! ماذا فعلت لها؟ هل إغتصبتها؟".
"أماه, أرجوكي, تكلمي بصوت خافت! إصغي إليّ!".
"إغتصبتها ثم عذبتها؟ أنطق!".
"كلا يا أماه! بالعكس! دعني أشرح لك!".
إنحنت عجوزتي فوق الجسد الواهن دون أن تتقزّز.
"إنه متسّخة! مليئة بالبراز! ماذا حدث لها؟ ساعدني! لنجلبها و ننظّفها!".
لم تدع لي الوقت لأشرح لها الموضوع, حملنا الجسد الواهن و جلبناه إلى الحمّام. حاولت بأن أبقيه على قدميه بينما عجوزتي تضبط حرارة الماء.
"إنه مليء بالكدمات! ماذا فعلت يا بني؟ أطفأت لفافات التبغ على جسدها؟ هل تدخّن أيضاً؟ و منذ متى بدأت تدخّن؟".
عندما وصلنا إلى السروال الداخلي القذر و الممزّق, إكتشفنا بأن الجسد الواهن يمتلك صنبوراً من اللحم ضمن حيّز غير متناسق.
"ولكن ... ما هذا الشيء؟".
"دعي عنك يا أماه, أنا سأتولى الأمر!".
"إذن ليست أنثى؟ إنه ذكر؟ آه, يا إلهي يا بني! ولكن لماذا لم تخبرني من قبل يا برونو؟ لماذا جعلتني أعتقد ...؟ يجب أن تخرج بإستمرار!".
تركت الجسد الواهن لأشرح لها, ولكنه إنهار فوق قاعدة الدش ككيس من البطاطا و كفّ عن الشكوى. جلبت منشفة, ألبسناه بيجاما نظيفة و أخذناه إلى السرير. ألقينا بغطاء السرير المليء بالبراز جانباً و أدخلناه تحت البطانية. الوسادة إتسخت فوراً, لأن الجسد الواهن كان ينزف دماً من أنفه.
"بسرعة! بعض الثلج!".
في المطبخ, دريللو كان يشخر بإطمئنان أمام التلفزيون. مشيت بهدوء. عندما رجعت, وجدت عجوزتي و هي ترفع رأسه إلى الأعلى و تغطي أنفه بالمنشفة المبللة.
"تشجّع, سترى بأنك ستتحسّن بهذه الطريقة! تنفس من فمك! هيّا!".
نفس الكلمات التي كانت تقولها لي في صغري عندما كنت أصاب بالكرة في رأسي.
"هل تعرف بأنه يدعى سيسّي؟".
"هل قال لك إسمه؟ هل كلّمك؟".
"ولكن ألم تضربه أنت؟".
"لم أضربه أنا يا أمّاه! حتى أنني لا أعرفه. عثرنا عليه في الشارع, أنا, بي دي و ستيتّكس. وجدناه في ممر تحأرضي ووضعناه في السيارة. يبدو أنهم ضربوه ثم ألقوا به بين النفايات, يا أماه! كان يمكن أن يلقى حتفه هناك".
"لماذا لم تنقلوه إلى المستشفى؟".
"كان أول شيء فعلناه ولكن حالما وصلنا إلى الإسعاف, بدأ في الصراخ. كان لا يريد أن يدخل المستشفى. كما تعرفين, عندما تتعرضين للإعتداء, يجب أن تتقدمي بشكوى ...".
"مع الافتراض بأنه مهاجر غير شرعي, ياللمسكين؟ أنظر! لقد غفي و توقف نزيف الدم! لا بأس!".
"إذهبي يا أمّاه! إذهبي إلى سريرك! أنا سأتكلّف بالأمر!".
"حسناً, أنا ذاهبة. هل بإمكانك أن تبقى مستيقظاً طوال الليل؟ غداً يجب أن تذهب إلى المدرسة أيضاً, يجب أن تسلّم الموضوع! ناديني إذا كنت تريد أن أنوب عنك!".
"نعم يا أمّاه, شكراً!".
"و ألقي بالألبسة القذرة في السلّة!".
ذهبت عجوزتي لتنام و أنا تمدّدت على الأريكة, بجانب سيسّي. أزحت جانباً الشعر الندي عن وجهه المتورّم. يا إلهي, إفعل شيئاً لئلا يموت!".
ترجمة: يوسف وقاص